فخر الدين الرازي
68
تفسير الرازي
لما ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة . أولها : قوله تعالى : * ( الذي جعل لكم الأرض مهداً ) * وفيه أبحاث : البحث الأول : قرأ أهل الكوفة ههنا وفي الزخرف * ( مهداً ) * والباقون قرؤوا مهاداً فيهما قال أبو عبيدة : الذي اختاره مهاداً وهو اسم والمهد اسم الفعل ، وقال غيره : المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب أبو عبيدة بأن الفراش اسم والفرش فعل ، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشاً يقال مهد مهداً ومهاداً وفرش فرشاً وفراشاً . البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " : * ( الذي جعل ) * مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه ، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبراً لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله : * ( فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ) * على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . البحث الثالث : المراد من كون الأرض مهداً أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ) * . وثانيها : قوله تعالى : * ( وسلك لكم فيها سبلاً ) * قال صاحب " الكشاف " سلك من قوله : * ( ما سلككم في سقر ) * ( المدثر : 42 ) * ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ) * ( الشعراء : 200 ) أي جعل لكم فيها سبلاً ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . وثالثها : قوله : * ( وأنزل من السماء ماء ) * والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله : * ( فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( فأخرجنا ) * فيه وجوه . أحدها : أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجاً من نبات شتى . وثانيها : أن عند قوله : * ( وأنزل من السماء ماء ) * تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلاً بالكلام الأول بقوله : * ( فأخرجنا به ) * ثم يدل على هذا الاحتمال قوله : * ( كلوا وارعوا أنعامكم ) * . وثالثها : قال صاحب " الكشاف " انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى : * ( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ) * ( الأنعام : 99 ) * ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ) * ( فاطر : 27 ) * ( أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) * ( النمل : 60 ) واعلم أن قوله : * ( فأخرجنا ) * إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك : * ( كلوا وارعوا أنعامكم إن في